PDA

عرض الاصدار الكامل : قصه قصيره .. جبنة أبي


أغادير
18-10-2007, 04:21 AM
1-

في مساء أذكره جيداً حمل أبي تعبه ومد يده لي بورقة عشرة ريالات وقال لي :-

أذهب يا بني وأشتري عشاءً لنا …

مددتُ يدي وأخذت منه ورقة العشر ريالات لتبتل يدي بعرق يد أبي !!! …

أبتعتُ ما أراد وأقفلتُ راجعاً إليه دون أن أشتري علبة من المشروبات الغازية التي عشقتها في ثلاجة المحل وتمنيتها لرحيل العشرة ريالات المعطرة برائحة عرق أبي ليد صاحب المحل …

في زاوية قريبة من حوش دارنا الصغير وضعتُ عشاءنا … أردف أبي أول لقمة من قطعة خبز صغيرة مخنوقة بجبنه بيضاء إلى فاه … أعجبتني لقمة أبي … فأستنسحتُ من حركة يد أبي للصحن حركتي أنا !!! …

طرقات على الباب أغلت يد أبي ويدي … تركة لقمتي بجانب لقمة أبي وقمتُ لأفتح الباب …

= أهلاً عمي … تفضل …

كصنم متحرك تعدت خطوات عمي خطواتي …

أغلقت الباب بعدما أخرج رأسي بحثاُ عن أجساد تتوارى بدخولها خلف جسد عمي … ولم أجد أحداً … طعم قطعة الخبز ورائحة الجبنة البيضاء الطرية دفعتني للعودة إلى مكان أبي …

كان جسد عمي الجالس بجوار أبي يكاد أن يدفع أبي خارج مساحة عشاءنا !!! …

وكغريب صادف غريب من مدينته في مدينة بعيدة كان عمي يجلس حاسراً ذراعيه ولقماته تطارد اللقمات المودعة في فاه الكبير …

ضاعت خبزتي خلف خبزة أبي في يد عمي !!! …

كل كلمات عمي بعدما أودع صحن الجبن فارغاً كلمات عبرت مسامعنا أنا وأبي وكأنها نسمات هواء الليل الذي أندفع بهدوء لمجلسنا …

خرج عمي مملوء بالشبع … جلست بجانب أبي بعدما أوصلته إلى الباب مكللاً بالترحيب ومحاطاً بصمته الثقيل !!! …

نظر إلي أبي ، ونظرتُ إلى أبي … دمعة أبي تنثال في عيني … فرك يديه وقال لي :-

= أأبتعتُ بالعشرة ريالات كلها يا بني ؟!!! …

ودون أن أظهر دمعة أبي له ، أنزلت رأسي وقلت له بصوت متحشرج بتلك الدمعة :-

= نعم ….

هنا حاول أبي كثيراً أن يخفي سحنة وجهه الحزينة ، تنحنح بصوت خفيض ، سل يده إلى جيبه فركها كثيراً داخل قماش ثوبه لتخرج كما كان دخولها ، نظر إلي بنظرات تشوبها أشياء كثيرة وقال لي بشيء من التردد :-

= أيوجد في الدار يا بني ما يكفي عشاءنا …

أومأت برأسي بالرفض … وقبل أن يقوم أبي من مكانه ، انفجرت بالبكاء …

مد يده وحضنني بقوة … اختلطت دمعاتي بدمعات أبي … ليمضي مساءنا الذي أذكره جيداً على جوع يعتصر أمعائنا !!! …

-2-

في صباح اليوم الثاني قابلتُ عمي …

شممت في سلامي له وتقبيل رأسه رائحة جبنة أبي !!! …

لم تكن ليلة البارحة في عقل عمي …

حينما ظهر لنا جسد عمي كنت أساعد أبي بحمل دلة القهوة وصحن التمر وقطعة من قماش أهدها جارنا لأبي عند عودته من أداء فريضة الحج ، فرشتها لجلوس أبي ، وظهر جسد عمي الممتلئ بجنة عشاءنا !!! …

جلس على قماش جارنا ، تجرع من حبيبات التمر ما يكفيه طعاماً للغد وشرب من قهوتنا حتى الثمالة !!! …

وقال لأبي :-

= الجوع يا أخي يقطن أمعائنا … ويتسرب أحسا سه بوجوه أبنائي …

نظر أبي لي وكأنه يذكرني بليلة البارحة !!! وقال له :-

= لا تخف يا أخي … خير الله كثير … وستشبع أنت وأبنائك … أصبر قليلاً فطلح النخل على وشك ، وستجد من ثمارها ما يكفيك الشكوى …

أبتسم عمي ، وترجل واقفاً أدار ظهره عنا لتصلنا كلماته :-

= سأرتاح قليلاً في داري … وسأزورك هذا المساء أنا وأبنائي !!! …

= أهلاً وسهلاً بك وبأبنائك يا أخي …

أبتعد عمي ولم يعطي لترحيب أبي مسمعاً !!! …

قلت لأبي :-

= هل سيأتي عمي هذا المساء أيضاً …

لمحني أبي وقال :-

= هو يقول ذلك …

وأثناء ما كانت أصابع يد أبي تبحث عن تمرة واحدة ليس لها وجود في الصحن قلت له :-

= سيكون عشاءنا هذا المساء دموعاً …

صوتي الضعيف لم يصل إلى مسمع أبي … فانشغال أبي بعلق أصابعه الفارغة أشغله عن صوتي !!! .

-3-

جاء المساء يحمل انتظار عمي وأبنائه ولأول مرة لا يعطينا الانتظار وقته …

خرج عمي مع أبنائه ويد كل منهم على جوفه ، أغلقتً الباب خلفهم ورجعت لأبي وفي عقلي تسقط علبة المشروبات الغازية من فمي إلى قاع المستحيل !!! …

هذا هو عمي … وهذه هي حكاياته …

بدأت منذ زمن بعيد … وتلقنت خبرة أحداثها بعد وفاة أبي !!! …

لأدخلُ دار عمي وأخرجُ منه لا أحمل خطوات خروج عمي في حياة أبي من دارنا !!! …

لبس عمي ثوب أبي … ووزع ثيابه الباقية على أجساد أبنائه بعدما غسل منها رائحة أبي وأبداً لم يلبس عمي جسد أبي !!! ….

وأصبحتُ أنا بين وجع رحيل أبي ووجع حكايات عمي معي !!! …

-4-

أحاديث عمي لا تنتهي وخاصة عندما تمتلئ أمعائه !!! …

أحاديث قالها لمن حوله لا تحمل أسم أبي !!! …

لولى بقائي في هذه الحياة وأن هناك أسماً خلف أسمي يحمل وجه أبي لأنكر عمي وجود أبي !!! …

قال لي :-

= أبوك مات … وعليه دين لي !!! …

= أبي مديون لك ؟!!! …

ببرود وكأن الحديث لا يعنيه قال :-

= نعم عليه دين … وأنا أريد أن توفي بدين أبوك !!! …

= وما هو دين أبي ؟!!! …

بكل وقاحة قال :-

= طعامه الذي كان يأكله عندي …

سحبتُ ذاكرتي لحياة أبي ولم أذكر أن أبي قد دخل دار عمي …

= وماذا تريد الأن ؟!!! …

= أن تسدد دين أبوك كاملاً …

= وكيف لي ذلك ؟ وأنت أخذت كل شيء !!! …

بغضب ممزوج بسواد وجهه قال :-

= أنا لم أخذ منك شيئاً … - أشار بيده لصدري وقال – وذلك الدار التي تسكنه …..

فجأة صمت … مسح غضبه ورحل لتبقى كلماته وملامحه أمام عيني …

في طريقي إلى الدار التي قرأت عنها صفحات كثيرة في عين عمي ، كان وجه أبي معي …

وصلت إلى الدار … فتحتُ الباب ودخلت ، رائحة أبي تعبق نافذة إلى أنفي … توسطت الدار وبكيت … بكيت … بكيت رحيل أبي وبقاء يد عمي التي أجدها في خيالي تمسك معولاً وتهدم جدار دار أبي !!! …



الكاتب إبراهيم النمله

منى احمد
07-02-2008, 08:51 PM
يااااه....قصه مؤثره جدا.....مشكوره اختى اغادير على هذا النقل.....

الجمان
07-02-2008, 10:40 PM
قصــــــــــــــــه مؤثره يعطيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك العـــــــــــــــــــــافيه .

مبتدئة
08-02-2008, 01:39 AM
بجد قصة محزنة :(

سما الجنوب
09-02-2008, 07:41 PM
الله يعطيكي العافيه قصة مؤثره فعلآ